ابن كثير

196

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

المشكورة ، والأفعال الحميدة التي عليها ثواب جزيل ، وثناء جميل . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عمران بن موسى الطرسوسي ، حدثنا عبد الصمد بن يزيد خادم الفضيل بن عياض قال : سمعت الفضيل بن عياض يقول : إذا أتاك رجل يشكو إليك رجلا ، فقل : يا أخي اعف عنه فإن العفو أقرب للتقوى ، فإن قال : لا يحتمل قلبي العفو ، ولكن أنتصر كما أمرني اللّه عز وجل ، فقل له : إن كنت تحسن أن تنتصر وإلا فارجع إلى باب العفو ، فإنه باب واسع ، فإنه من عفا وأصلح فأجره على اللّه ، وصاحب العفو ينام على فراشه بالليل ، وصاحب الانتصار يقلب الأمور . وقال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا يحيى يعني ابن سعيد القطان ، عن ابن عجلان ، حدثنا سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : إن رجلا شتم أبا بكر رضي اللّه عنه والنبي صلى اللّه عليه وسلم جالس ، فجعل النبي صلى اللّه عليه وسلم يعجب ويتبسم ، فلما أكثر رد عليه بعض قوله ، فغضب النبي وقام ، فلحقه أبو بكر رضي اللّه عنه فقال : يا رسول اللّه إنه كان يشتمني وأنت جالس ، فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت ، قال : « إنه كان معك ملك يرد عنك ، فلما رددت عليه بعض قوله حضر الشيطان فلم أكن لأقعد مع الشيطان - ثم قال - يا أبا بكر : ثلاث كلهن حق : ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنها اللّه ، إلا أعزه اللّه تعالى بها ونصره ، وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلا زاده اللّه بها كثرة ، وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة ، إلا زاده اللّه عز وجل بها قلة » وكذا رواه أبو داود عن عبد الأعلى بن حماد عن سفيان بن عيينة قال : ورواه صفوان بن عيسى كلاهما عن محمد بن عجلان ، ورواه من طريق الليث عن سعيد المقبري عن بشير بن المحرر عن سعيد بن المسيب مرسلا ، وهذا الحديث في غاية الحسن في المعنى ، وهو مناسب للصديق رضي اللّه عنه . [ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 44 إلى 46 ] وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ ( 44 ) وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ ( 45 ) وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ ( 46 ) يقول تعالى مخبرا عن نفسه الكريمة أنه ما يشاء كان ولا راد له ، وما لم يشأ لم يكن فلا موجد له ، وأنه من هداه فلا مضل له ، ومن يضلل اللّه فلا هادي له ، كما قال عز وجل : وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً [ الكهف : 17 ] ثم قال عز وجل مخبرا عن الظالمين وهم المشركون باللّه : لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ أي يوم القيامة تمنوا الرجعة إلى الدنيا يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ

--> ( 1 ) المسند 2 / 436 .